متابعة لقضية إنتحار آمنة إسماعيل

روى سكان منطقة الرملة البيضاء (من تواجد منهم مكان حصول حادثة إنتحار آمنة إسماعيل) مساء السبت ٢٧ تموز ٢٠١٣، أن الصليب الأحمر اللبناني لم يستجب للنداء على الفور وأن آمنة بقيت ممددة مكان سقوطها لمدة ٤٥ دقيقة قبل أن ينقلها الدفاع المدني إالى مستشفى الجامعة الأميريكية.
أوْردتُ هذه الشهادات في سياق التقرير الذي نشرته مساء الإثنين، اليوم وبعد سبعة أيام من الواقعة،وخلال متابعتي للقضية استطعتُ أخيراً الوصول الى الأشخاص المولجين متابعة سجلات اتصالات الصليب الأحمر وبعد الإنتهاء من المقابلة الرسمية استبينتُ ما يلي:عن الصليب الأحمر رسمياً:
ورد الاتصال الأول الى غرفة عمليات الصليب الأحمر في تمام الساعة ٦:٤٧ مساءً
تحرّكت سيارة الصليب الأحمر من الأشرفية خلال عشر دقائق ذلك بسبب عدم توافر سيارة من مركزهم في سبيرز حينها.
انطلقت السيارة إلى مبنى «الريان» واستدل المسعفون على العنوان خلال توجههم الى مكان الواقعة.
في تمام الساعة السابعة مساءً اي بعد عشر دقائق من الإتصال الاول ، ورد اتصال آخر يعلم الصليب الأحمر أن الدفاع المدني وصل ويعمل على نقل آمنة إسماعيل الى مستشفى الجامعة الأميركية.
وفي سياقٍ متصل لا زال البحث جارياً عن مُسرّب الفيديو الأول ، تجدر الإشارة إلى أنه لا سبيل للوصول إلى الفيديو إلا عبر أول من تواجد في موقع الحادثة. بعيداً عن الشائعات التي يتم تداولها، إن عناصر الأمن التي تواجدت في مكان الحدث هي أول من صادر الفيديو من كفاح فيروز أحمد (زوج آمنة)، ينتُج عن ذلك عدة تساؤلات نضعها في رسم الجهات الأمنية المختصة :
إذا كانت الأجهزة الأمنية  أول من  صادر الفيديو الذي يوثق انتحار الزوجة من هاتف الزوج، ما هي احتمالات تسرب الفيديو الى سكان المنطقة عينها وعن طريق المزاح؟
بعيداً عن الشكوك التي تؤكد أن مدة الفيديو الأصلي تتجاوز الدقيقة، نُحمل مسؤولية وصول الفيديو الى هواتف سكان المنطقة الى الأجهزة الأمنية المختصة. لا بد أن الفيديو قد تم تسريبه وعن قصد وبطريقة ما الى السكان، ما دفعني إلى نشره على الانترنت، خارقةً عدة قوانين ولكن بهدف إيقاظ الرأي العام على قضية تم تجاهلها ولم يستطع أحد تأكيدها او التأكد من صحّتها قبل نشري للفيديو.
وأخيراً، أتوجه إلى عائلتيْ  كفاح فيزور أحمد وآمنة إسماعيل بأحرّ التعازي،  بصفتي الإنسانية ، وأؤكد ثقتي بأهمية نشري للفيديو والذي لم يُقصد به خرق خصوصية العائليتين، من قصد خرق تلك الخصوصية هو من سرّبه إلى هواتفنا مدعياً أن الفيديو محض مزاح، لو لم أنشر ذلك الفيديو على يوتيوب ولو لم تدفعني حشريتي الصحافية الى الإستقصاء أكثر، لكان صُنف موت سيدة وحزن عائلتين كاملتيْن في خانة : المزاح من العيار الثقيل.

آمنة إسماعيل والزوج الذي وثّق انتحار زوجته

لم أسمع بخبر وفاة آمنة إسماعيل إلا ظهر الإثنين ٢٩ تموز ٢٠١٣، أي بعد يوميْن من وفاتها. محضُ صُدفة؟ إهمالٌ مني؟ لفلفة للحادثة؟ وجهات نظرٍ مُحتملة، أكاد أُصدق الثانية منها وأُعلن إهمالي لواجبي الصحافي لو أن لبنان أجمعه علم بالحادثة. آمنة وزوجها كفاح فيروز أحمد الذيْن لم يمض على وجودهما في لبنان أيام قليلة، أثارا بلبلة وصل صداها إلى مختلف أنحاء لبنان.

مكان سقوط الضحية آمنة إسماعيل في حديقة المبنىمكان سقوط الضحية آمنة إسماعيل في حديقة المبنى

شقة كفاح أحمد وآمنة إسماعيل الغير مكتملة ، والى أقصى اليمين الزاوية التي جلست فيها آمنة قبل الانتحار ويظهر الدرابزين القيد الإنشاء
شقة كفاح أحمد وآمنة إسماعيل الغير مكتملة ، والى أقصى اليمين الزاوية التي جلست فيها آمنة قبل الانتحار ويظهر الدرابزين القيد الإنشاء

وصل الزوجان لإلقاء نظرة على شقتها القيْد التصميم في منطقة الرملة البيضاء مساء السبت ٢٧ تموز ٢ ٠١٣ في تمام الساعة السادسة والنصف مساءً، تجوّلا في الشقة، جلست آمنة على حافة الشرفة الغير مكتملة التصميم، تبادلت أطراف الحديث مع زوجها الذي كان يُسجل ما يحصل بواسطة هاتفه، دقائق قليلة، وأقدمت آمنة على الانتحار من الطابق الثامن في تمام الساعة السادسة والخمسون دقيقة مساءً. آمنة إسماعيل لم تقع سهواً من شرفة منزلها في خلدة كما ورد على بعض المواقع الإخبارية، والإهتمام الإعلامي الوحيد الذي لقيته قصة آمنة هو جنازتها وما يناهز العشرين صورة عن الجنازة. ولكن ماذا عن الفيديو الذي التقطه الزوج؟ ولماذا انتشر في المنطقة التي صودف سكني فيها مثلاً؟ ولماذا تتم إزالته من مواقع التواصل الاجتماعي كل بضعة ساعات؟

الغريب في الموضوع لا يقتصر على تصوير الزوج للحادثة، او على هول الحادثة فقط، الغريب في القضية غياب الاعلام اللبناني ككل عن التغطية والسمع، ذلك أنه وحتى الساعة السادسة من مساء الإثنين، لم أجد أثراً للخبر على وسائل الإعلام، وما إن تجرأت ونشرت فيديو انتحار آمنة على يوتيوب حتى تهافت الجميع للسؤال عن القضية، فيما أكد البعض علمهم مسبقاً بالحادثة عبر بعض المواقع الاخبارية التي تتناول أحداث مدينة صور، ولكن ألم يلفت خبر وفاة السيدة الغامض أحد؟ أم أن صور جنازتها تُعد سبقاً صحافيا أدسم؟

يروي شهود عيان رفضوا الافصاح عن أسمائهم ان هذه  الزيارة هي زيارة الزوجين الأولى الى الشقة ، وان منزل ذوي كفاح أحمد يقع في الجهة المقابلة تماما، مؤكدين ان الزوجين وصلا حديثاً الى بيروت وان والد كفاح كان مولجاً للاهتمام بمراقبة عملية إعادة تصميم الزوجين. توجهنا الى منزل والديْ كفاح أحمد وحاولنا مقابلة أحد أفراد العائلة ولكن دون جدوى، آخر التطورات تؤكد إخلاء سبيل كفاح بكفالة مالية، وبعض الصور على مواقع صور الإخبارية تُظهر الاخير في الجنازة، يؤكد سكان المنطقة أن العائلة متوارية عن الأنظار حتى الساعة تفادياً للبلبلة.

حاولنا جاهدين استقصاء مُرسل الفيديو الأول ولكن دون جدوى لا سيما وان المشاهدة الاولى للفيديو توحى بأن الفيديو مجرد مزاح من العيار الثقيل، ولكن الحقيقة عكس ذلك، ففي مكان ما في لبنان أقدمت  شابة على الانتحار بحُضرة زوجها والاسباب غامضة.

وحدها التحقيقات كفيلة بالكشف عما حدث، ولكننا استطعنا من خلال تجولنا في المكان ومناقشة ما حدث مع الجيران، تمكنا من تكوين فكرة بسيطة عما حدث تلك الليلة بعيداً عن التكهنات والاستنتاجات العبثية:

-الاعلام اللبناني لم يكن على علم بالحادثة ، قضينا ساعتين كاملتين على الانترنت نبحث عن خبر انتحار في الرملة البيضاء والخبر الوحيد الموجود كان خبر إقدام عاملة أجنبية على الانتحار في المنطقة عينها منذ أكثر من ١٠ سنوات.

-بعد انتشار الفيديو بدقائق، بدأ اللبنانيون بتداول ما زعموا أنها يعرفونه عن القصة والضحية وكثرت الإشاعات ونرفض نشر أي منها احتراماً لهوْل الحادثة وخصوصية العائلة.

-شدد الجيران والشهود على تأخر الصليب الاحمر في الحضور الى مكان الحادثة وهذا سؤال برسم الصليب الاحمر اللبناني، بقيت الضحية ممددة على الارض أكثر من ثلاثين دقيقة بانتظار الإسعاف وكانت لا تزال على قيد الحياة.

– آمنة إسماعيل فارقت الحياة في مستشفى الجامعة الاميركية بعد ان نقلها الدفاع المدني إلى هناك.

في الفيديو أدناه شهادات حية وصور عن المبنى والحادثة، والعتب سيد الموقف:

العتب على سكان المنطقة ، العتب على علاقة اللبناني بالاعلام فلم يبادر لبناني واحد إلى إثارة الموضوع في الاعلام، ألم نشعر بالحاجة الى ذلك حتى؟

العتب على الاعلام اللبناني الذي لم يلتفت لخبر تشييع الزوجة في صور إثر وفاتها الغامضة.

والعتب على تأخر الصليب الأحمر في الحضور الى مكان الحادثة وهي رواية جاري التأكد منها ولكن يصعب ذلك بسبب ضيق الوقت والمصادر ..

وفي النهاية، لا يسعنا إلقاء اللوم على أحد قبل البيانات الرسمية والتحقيقات، فالفيديو هو برهان الزوج الوحيد على أن زوجته اختارت الانتحار ، وربما لو وُضعنا في موقف مماثل لكنا اخترنا سلاح التصوير، علّ السبب الاول والاخير هو خوفنا من بعض قوانين لبنان والتي تُحوّل البريء إلى متهم والعكس.

مباشرةً من الطابق الثالث عشر

في مكانٍ ما في لُبنان، يقضي لبنانيٌ نهار الأحد في الشمس، على شاطىء البحر، ولُبنانيةٌ تقضي يومها في جبال لبنان، عائلةٌ ما في قريةٍ لبنانية تجتمع لغداء عائلي، وأُخرى تتحضر لإفطارٍ عائلي، في مكانٍ ما في لبنان أطفالٌ يلعبون، وآخرون ينتظرون الكهرباء بفارغ الصبر..
في مكانٍ ما في لبنان، سيّدة منزل قررت أن اليوم هو يوم تنظيف وتلميع الشبابيك.

نسوية الحرية

 لنبدأ بنظرة عامة شمولية إلى لبنان، بلد قانون الغاب، بلد الواسطة والسلاح، بلد التبعيّة والأحزاب، بلد الحروب النفسية والخوف.

بلدٌ حيث قامت ثورةٌ في الماضي ما لبثت أن انطفأت واختفت ليحل مكانها الصمت، ولتسود قناعة السلبية. بلدٌ يحتاج ليس فقط الى جُرع من الحرية والاستقلالية والمدنية. بل وأيضاً إلى الكثير الكثير من الوعي والإصغاء.

ليل الجمعة ٢٨ حزيران ٢٠١٣، اجتمع بعض الاصدقاء في مقرّ جمعية نسوية لوداع صديق، إلتقاط بعض الصور التذكارية، وتحويل الوداع الى أملٍ باللقاء، فلمن لا يعرف، أسماء مُعظم شبان وشابات لبنان على لوائح الانتظار في السفارات منتظرين فرصة للهروب وبداية جديدة.

مقر جمعية نسوية في مار ميخايل معروفٌ ومُرتادوه كُثُر، نحن بغنى عن “تبييض الطناجر” وصف المفردات عن الجمعية واستغلالها لمقرّها المذكور سابقاً لأهداف إنسانية مثل ” حملة الأشرفية للجميع، ashrafiyeh for all”.

Image

بالعودة إلى ما حصل ليلة الجمعة، وخلال احتفال المذكورين في مقر الجمعية والذي هو غرفة أرضية واسعة ومطلة على الطريق، صودف وجود موكب للنائب نديم الجميل الذي كان يتناول عشاءه في المنطقة، لم يتواجد النائب في الموكب بل حراسه الشخصيين فقط، هؤلاء من تقدم من مقر نسوية طالبين من الموجودين عدم التصوير لأن الموكب في الخارج، رفض الشبان والشابات الإنصياع الى الأوامر دون تفاصيل أُخرى مثل هوية النائب، وأسباب منعهم من الإحتفال في الداخل، تطور الحوار بين الناشطين وحراس الجميل الشخصيين إلى إهانات، شتائم وتعدي ما دفع أحد حراس الجميل الى إشهار سلاح في وجه الشبان والشابات معلناً بأن لديه أوامر بإطلاق النار ، فما كان للنشاطين إلا أن بدأو بالهتاف “برا برا برا، نواب طلاعوا برا”. استمرت المناوشات لساعة من الوقت تقريبا تدخل خلالها الجيش ونال الناشطون والناشطات نصيبهم من الإهانات وحوصروا داخل مقر الجمعية بأمر من قوى الأمن بحجة “حمايتهم”.

انتشر الخبر على مواقع التواصل الإجتماعي وللدقة، كنت  شخصياً من أول من حاول الاستقصاء عما يحصل من الاصدقاء في نسوية وعندها بدأنا بنشر خبر احتجاز الناشطين داخل الجمعية ليُسارع النائب نديم الجميل الى الإعلان وعبر حسابه على تويتر عن تعرض موكبه ل “محاولة إغتيال” حيث هوجم الموكب من خمسين شخص مدججين بالعُصي والبندورة، سارعت إذاعة صوت لبنان إلى نشر الخبر وبهذا، أصبحت مواقع التواصل الإجتماعي مقسومة: ثمة من صدق قصة الجميل وهنا شُكر خاص للإعلام الحريص الذي ساهم في نشر الكذبة، وثمة من توجه الى نسوية بنفسه للتأكد مما حصل ودعم ما نشرناهُ على صفحاتنا عن تعدي حراس الجميل على مقر الجمعية، وثمة من اتهم حزب الله في السعي الى اغتيال الجميل، وثمة من نشر أخبارمفادها أن  “لا للتمديد وصل الى موكب الجميل“.

والمضحك المبكي جمهور نديم الجميل الذين يدعون الإستقلالية والحياد والذين ينهمروا علينا في كل مناسبة بالدروس الأخلاقية عن مدى  غبائنا وتبعيتنا للأحزاب، نحن المستقلون فعلاً، المضحك المبكي إقحام المجتمع المدني ككل في قضية نسوية منذ الليلة الأولى للحادثة، والمسلسل استمر لليوم الثاني.

السبت  ٢٩ حزيران ٢٠١٣  وجه الناشطون والناشطات دعوة للتجمع امام مخفر الجميزة ، المكان الذي توجه إليه عدد من ناشطي نسوية لتقديم شكوى عن واقعة ليل الجمعة حيث صودف أيضاً وجود مرافقي الجميل لتقديم شكوى ضد الناشطين أحدهم هو رامي مسعد، وخلال ذلك أصدر المدعي العام العسكري داني زعني قرار بإيقاف الناشطين من الذكور حتى الساعة الخامسة مساءً رهن التحقيق وذلك في تعارض تام مع وقائع الملف الذي اثبت انه تم الاعتداء عليهم من قبل مرافقي النائب نديم الجميل، ما لبث ان ازداد عدد المتجمهرين امام المخفر المذكور للإعتراض على قرار القاضي وللإصرار على أهمية نزاهة القضاء اللبناني وعدم خضوعه للضغط السياسي.  خرج رامي مسعد (أحد مرافقي الجميل من المعتدين على ناشطي وناشطات نسوية)، خرج حراً طليقاً  فيما ٧ من الناشطين الذكور محتجزون في المخفر. وخلال محاولة الناشطين خارج المخفر إقفال الطريق لمنعه من الهروب وبالتالي قيامهم بمهام الأمن اللبناني ، حاول المُجرم رامي مسعد دهسهم والفيديو كافي لإظهار الحقيقة.

تتبادر إلى ذهننا عدة أسئلة:

هل إقحام المجتمع المدني في القضية عبر إهانته المستمرة هو الطريقة الأمثل لإيصال أفكاركم وآراءكم؟

ما مدى صعوبة إعتذار النائب نديم الجميل عما حصل وبالتالي تكون هذه سابقة نيابية لنائب يدعي قربه من الجيل الشاب.

ما هو دور القوى الأمنية الحقيقية؟ وأين كانو خلال مطاردة الناشطين لسيارة رامي مسعد بعد دهسه نضال أيوب وغيرها؟

إلى متى السكوت والسماح للمتطاولين المنتمين إلى أحزاب القمامة والحرب بالتطاول علينا ؟

أعزائي ، الحياد والإستقلالية هما الإبتعاد عن “تبييض الطناجر” مع النواب ، الإبتعاد عن تقديسهم عبر الصور التذكارية.

تُريدون التغيير؟ مُفتاح التغييرهو الإبتعاد عن النظرة المثالية التي يكنها المجتمع اللبناني إلى نوابه وأحزابه. هُم قُمامة الحرب وأنتم الشركة التي تُعيد تصنيع هذه القُمامة بحجة الحفاظ على البيئة والبيئة هنا هي ” العيش المشترك والسلم الأهلي”.

الرحيل، ولكن على طريقتي

لن أُطيل سطوري، لنُ أكتب كلّ ما يتبادر إلى ذهني الليلة. إنها لحظة التوقف والتأمل ولو قليلاً.

أنا مواطنة لبنانية، طالبة صحافة، لم أتخرّج بعد، عمري إثنان وعشرون سنة ولقد طفح بي الكيْل مرات عديدة، إلا أن مُحتوى الكيْل الذي طفح مختلف هذه المرة. الصحافة من أصعب المهن، هي مهنة المخاطر والقلق المُستمر، وأنا على مشارف التخرج أُدرك الخطر والحياة التي اخترتُها لنفسي، ولكن عملي يمنحني الثقة والسعادة. إلا أنني لا أملك وظيفة بكل ما للكلمة من معنى بعد، هذا يعني أن الطريق لا زالت طويلة، والطريق محفوفة بالتحديات والمخاطر وأيضاً النجاحات.

باختصار، أنا خائفة، ولكن ليس على نفسي، فأنا لم أتلقَ  تهديدات منذ سنة واحدة تحديداً ولم يتعرّض لي أحد بسبب مواقفي منذ وقت طويل، ولكني شبه متأكدة بأن حال هاشم سلمان كان مُشابه لحالي، الفرق الوحيد أن هاشم إنتمى الى حزب معين، حزب، مقارنةً بالاحزاب اللبنانية الأُخرى ، بسيط ،متواضع وعادي وغير بارز إعلامياً… إلا ان الرصاصة التي قتلت هاشم لم تُميّز، قتله وانتهى الأمر.

تقبّل والداه التعازي، نفته قريته ولم ترضَ  بأن يُوارى الثرى فيها، والكارثة الأكبر كانت ما شهدته اليوم:

إضاءة شموع من أجل هاشم، لم يتعدَ عدد المشاركين فيها العشرات. تحية من القلب لكل من كسر حاجز الصمت والخوف وشارك اليوم، ولكن شُكراً، أنا أفضل حالاً بعيدةً عن السياسة متى أصبح دمّي رخيصاً هكذا.. رصاصة الغدر التالية (لا سمح الله) لن تُميز بيني وبين رفيقي/رفيقتي، وأنا لا أُريد الرحيل بفعل رصاصة، لا أُريد أن يشمت أحدٌ برحيلي ويلوم “القضية”، لا أُريد لمن اعتبرتهم يوماً أصدقائي ان يتجاهلوا موتي وان يتخلوا عن إضاءة شمعة لي حتى.. والأهم، لا أُريد لعائلتي الحزن ولا الدموع.

حرية الرأي والتعبير التي أُنادي بها، أتحميني؟ أتعدني أن مكروهاً ما لن يُصيبني بسبب مواقفي وكتاباتي؟

الثورة السورية، أحقاً تأبهين ؟ أتعرفين من أنا؟ وإن رحلت؟ ما هو ذلك الفراغ الذي سأتركُه حقاً خلفي؟ أنا بالنهاية لبنانية لا أكثر ولا أقل.

لُبنان، إلى متى أُضحي في سبيلك؟ في سبيل شعب كسول يجلس في منزله يُشاهد أخبار الثامنة ويلاحظ تحركاً ما فيقول: ” اي والله صار لازم هالشعب يتحرّك” .. م إنت الشعب يا مُشاهِد! والله أنا بس بدي أتحرّك عنّي وعنّك؟

نعم لقد سئمت من المُخاطرة والمُجازفة في بلدٍ تعجز قوى أمنه عن حمايتي. أنا لا أتكلم عن المجازفة الصحافية وعن المهنة، فأنا مستمرة في المهنة، ولكني ببساطة أنا اليوم أتخلى عن المجازفة نفسها التي كلّفت هاشم سلمان حياته.

سيخيب أملُكم بي، ستقولون لي:

“هيدي فترة وبتمرق”

“لا يا لونا، ما تعملي هيك”

“إنتي يا لونا؟!”

وسأعتذر منكُم وأقول نعم، أنا.. وسأُضيف، الثورة حقّ وأنا مع كل شعبٍ يثور للمُطالبة بحقوقه سلمياً، ولكني أُريد العيْش لأرى المزيد من هذه الحياة، لا أُريد رصاصة غدرٍ في خاصرتي، لا أُريد إستنكارات.. وعندما يحين وقت رحيلي إلى العالم الآخر، أُفضل أن يكون رحيلي صامتاً.. مُسالماً وأُفضل أن تُذرف عليّ دموع الحزن لا الغضب.

بعد سنتيْن… رأيي بالحراك الثوري السوري

 رأيي بالثورة السورية انها ثورة محقة ضد نظام ظالم ، ثورة تُطالب بأبسط ما يمكن للإنسان المطالبة به: الحرية

النظام السوري نظام ظالم طبعا ،قمعي يختبىء تحت عباءة المدنية والتنظيم ولكنّه ظلم الشعب السوري كثيراً على مر السنين وخلال السنة الاخيرة  فرّغ حقدهُ بالقصف والتكتيك العنيف الذي اعتمدهُ في  قمع الحراك الثوري . ظُلم النظام السوري ليس بجديد على اللبنانيين،  اللبناني له تجربة خاصة مع الجيش السوري طوال فترة وجوده في لبنان والتجربة لا تقتصر على فئة معينة او طائفة او حزب، التجربة شملت لبنان ككل.

بداية الثورة السورية كانت سلميّة ومن تابع الثورة السورية بكامل قواه العقلية يستطيع أن يتذكر جيداً اوّل قطرات الدم في درعا، بسبب عنف النظام اضطُر السوري الى اللجوء الى السلاح، سلاحٌ موجود في كل منزل، سلاح للدفاع عن النفس أمام ما بدأ كفوضى منظمة. ولكن للأسف وكما في كل ثورة او حرب  وقع السلاح بأيدي جماعات مختلفة ومنها الأصوليين والسلفيين وغيرهم … هؤلاء الذين استملكوا دوراً لا بأس به في الدفاع عن سوريا وتحريرها من النظام مع العلم بأن الثورة السورية لا تزال حتى الساعة مُنقسمة فيما خصّ هؤلاء.

بصراحة، خوفي على سوريا من هؤلاء يوازي خوفي على سوريا من النظام، فأنا في النهاية مع الحرية وإيماني بها كبير ، ولكن لا إثباتات كافية أمامي عن كيفية تعامل كل متطرّف أصولياً كان ام سلفياً ام إسلامياً مع غيره في حال استلامه زمام الأمور في سوريا بعد سقوط النظام.

ايجابيات الثورة السورية انها علمت السوري أن يُحب وطنه، اما سلبياتها؟ ان نهايتها ليست بقريبة بسبب الفوضى والمماطلة الدولية وأيضاً بسبب الوقت الضائع الذي خسرته المعارضة السورية الخارجية.

أخشى أن سوريا لا تزال تائهة هائمة بثورتها السلمية ولكن الحقيقة هي أن سوريا في حالة حرب باتت تستنزفها.

 

صراع الحضارات

Photo of the Day: صراع الحضارات
©Luna Safwan-Reporter

صورة اليوم: تضارب الحضارات، المُعتقدات ، الأديان والمهن أيضاً. هي فُرصةٌ للتمهّل والتمعّن في أقسى معاني العيش المُشترك والعفويّة الإنسانية. بعيداً عن التنظير والى ما هنالك من هوايات جديدة للبشر
التقطت الصورة : مايا القرى/ تركيا / آذار ٢٠١٣