العالقون في الوسط

مشاهدة القصف من مشاريع القاع (آب ٢٠١٢)

وقف أبو أحمد وسط حديقته حوالي الساعة العاشرة والنصف مساءً، نظر الى السماء، ثم نادى زوجته وابنته قائلاً:

” شوفوا شوفوا، الأضواء مرة أخرى،بس شو قولكن عم يقصفوا القاع الليلة؟” سارعت ابنة أبو أحمد الى الخارج حيث انضم إليه بعض الجيران.

بالنسبة للمزارعين في مشاريع القاع، هذا ما يُسمى بالليلة الهادئة، مشاريع القاع التي هي عبارة عن مجموعة مزارع بطول تسعة كيلومترات تقع على الحدود اللبنانية السورية، وتتعرض لقصف مستمر منذ بداية العام الماضي من داخل الأراضي السورية عند تسلل أي مقاتلين سوريين الى داخلها.“ليلة هادئة كتير اليوم” ، جملةٌ ما كادت تُنهيها ابنة أبو احمد حتى تجدد القصف. “ مبارح بالليل الأرض كانت عم تهز من القذائف، ونزلوا هونيك، ورا هالشجرة”.

 يقع منزل ابو احمد على بعد ثلاثة كيلومترات من الحدود اللبنانية السورية حيث تتمركز دبابات الجيش السوري. مشاريع القاع ليست قرية ككل القرى، أي أن تكوينها بعيد عن تكوين القرى. تفصل الجيران مساحات كبيرة وبعيدة عن بعضهم، مساحاتٌ هي عبارة عن بساتين وطرقات وعرة. يعتمد المزارعون اللبنايون والسوريون المقيمون في المنطقة على زراعة الخضراوات والاهتمام بالبساتين وكروم العنب الصغيرة وتربية الماشية. ولكن خلال السنة الماضية ، تحولت المزارع الى ساحة قتال. تقول زوجة ابو احمد ،ليلى، امرأةُ طويلة هزيلة، في العقد الخامس من العمر: “عندما تسكن على الحدود، وتكون قريباً من بلد تشهد حرب، هذه الحواث تُضحي طبيعية ، يُصادر الجيش اللبناني، من وقت الى آخر، شاحنات محملة بالسلاح متوجهة الى سوريا بهدف دعم الثوار، والجيش السوري يقصف البيوت ثم يقتحمها حيث يتمركز قناصوه بعد ذلك مطلقين النار على اي شيء متحرك”.

 كانت العائلات السورية تقطع هذه الحدود قادمةً من بلدات القصير او معرة النعمان الى مشاريع القاع هرباً من القتال ، الا ان حركة النزوح تراجعت في الاشهر الماضية.  ومع ذلك لا زال القصف مستمر، ذلك بسبب بعض الجنود المنشقين عن الجيش السوري الذين يلجأوا الى لبنان هاربين عبر مشاريع القاع، الا أنهم لا يبقون في المشاريع ومع ذلك يستمر القصف. نادى ابو احمد ابنته وزوجته لمشاهدة القصف، حيث أضاءت السماء كالبرق، لتقع القظائف بعد ذلك في البساتين المحيطة بالمنزل. استمر الوضع على حاله حتى الخامسة صباحاً ولكن رغم القصف والاصوات المخيفة  قال ابو احمد ان هذا ما يسمى بالليلة الهادئة في المشاريع.

حوالي الساعة السابعة صباحاً، دبّت الحياة في المنزل والعمل في البساتين على قدمٍ وساق. “ليس هناك من خطر خلال النهار” ردد ابو احمد خلال قيادته الفان بالقرب من النقطة الحدودية متوجهاً الى منزل ابنته. “ شوفوا، هون ما بقي ولا عائلة، كل البيوت يلي عالحدود مهجورة ، الناس تركت البيوت من ورا القصف.

دامت الجولة على الحدود حوالي خمسة عشر دقيقة طلب منا خلالها ابو احمد عدم الاشارة بايدينا الى الحدود خوفاً من الرصاص، مررنا خلال الجولة بالقرب من منزل اتخذه الجيش اللبناني كمركزٍ  له: “ في ثلاث مراكز للجيش متل هي بالمشاريع” وأضاف ابو احمد مبتسماً:  “ الجنود بيكونوا نايمين فيها بس بالنهار، لما الجيش السوري ما عم يقوّص”.ثم قاد الفان نحو الجمارك السورية قائلاً: “ اذا بدكن هلق منفوت عسوريا، كلو بيكون نايم” ولكن ما لبث ان ضحك بعد ان انطلت علينا الخدعة واتجه بنا عائداً الى مشاريع القاع.

  وأنت في طريق العودة الى المشاريع، يُخيل اليك أنك من قاطنيها، وأنك أمضيت سنيناً فيها. عندها تُصبح تلك الطرقات الوعرة غير المُعبّدة الخالية من أي إمدادات كهربائية المُنعزلة تمامًا عن العالم، يُخيّل اليك حينها ان الوضع طبيعي فيها وان الحياة مستمرة رغم رداءة الاوضاع المعيشية وخطورة المنطقة. يُخيّل اليك ان اهل المشاريع مكتفين ذاتياً مما تُنتجه أرضهم، فيما البعض في القرى المجاورة، من نواب ووزراء واصحاب رؤوس أموال يتنعمون بما يزيد عن حاجاتهم اليومية.فليُشفقوا على كل محتاج خجل وأبى رفع صوته للمُطالبة بأقل حقوقه، الحياة العادلة الكريمة الآمنة.

Image
فرعية من طرقات مشاريع القاع

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s