عن العنصرية التي لم تُباغتنا سهواً

مللتُ  من نقد العنصرية الموجودة في كل مكان، نعم أنا مللتُ من النقد البنّاء. فالعنصرية لم تعد حادثة. لم يعد تصنيف المواطن السوري حادثاً. لم تعد المقالات المنمّقة بأبشع الصفات التي يُصنفها البعض كواقع.. تلك المقالات لم تعد عفوية. كل شيء مدروس، مراقب، أما النتائج.. فمعروفة. صباح اليوم الثلاثاء، تلقّف الشعب اللبناني مقالاً لشاب لبناني قرر الكتابة ونشر مقالا من مقالاته الأولى في صحيفة النهار اللبنانية. كتب حسين حزوري عن السوريين ( وهل من مادة أدسم؟).. أرفق مقالته بتوصيف لشارع الحمرا.. تباكى وحزن على ما آلت إليه الأمور في بلدنا الحزين. بعد أن تسبب الوجود السوري بالترافيك أو ما يُعرف بزحمة السير كما وصفتها مواطنة لبنانية سابقاً في فيديو حصري للنهار أيضاً، تسبب النزوح والكثافة السوريين بجو كئيب في بيروت.. جو أسود في شارع الحمراء الذي بدا حسين كغريب عنه خلال وصفه.

لن أخوض وأناقش ما كتبه حسين، حسين الذي أعرفه من الجامعة البنانية، كلية الاعلام والتوثيق. يصغرني سناً ولكنه التلميذ المجتهد الهادئ الذي يستمع جيدا قبل الكلام، الذي لطالما ساعدنا فور حاجتنا لأي مساعدة في مادة أو صف، سأتطرّق مباشرةً إلى ما جناه مقالك يا حسين علينا نحن اللبنانيون. سأتجاهل الناشر، جريدة النهار، التي اكتفت بتحرير بيان يتبرأ من مقالتك، ولم تتعنى مناقشتك بمضون ما كتبته قبل نشره، أونُصحك وإرشادتك.. كل ذلك بحجة ماذا؟ حرية الرأي والتعبير؟ إرحمونا .. جريدة النهار تفوقت على نفسها بالعنصرية لذلك لم تعد تصرفات المسؤولين فيها مستغربة.

ما جناه مقالك يا حسين هو نقد لاذع مجددا.. بعد شهور من العمل على تحسين الآراء وتصويب النقاش اللبناني السوري، نحن اللبنانيون المعنيون بالشأن السوري تماما مثلك: نحن نملك أرواحاً تُزهق في سوريا وأؤكد لك بأن لنا ولي شخصيا صداقات أعمق بكثير من صداقة واحدة حصدتها أنت خلال السنة الجامعية المنصرمة من طالب سوري زميل انتقل حديثاً الى لبنان. هنا سأسمح لنفسي بالمزايدة.

في بيان فيسبوك لحسين، اعتذر لنا عما قرأناه . يقول أن أعداد السوريين إلى تزايد، والموضوع بات مشكلة من الضروري التطرق لها.. هكذا تطرق الكاتب لها، شهادة شاب جامعي زميل، وشهادةٌ خيالية لمدير مطعم مربوطة (تاء مربوطة) في الحمرا.. المطعم الذي نفى لاحقاً في بيان  أي علاقة له بما ورد عن لسان صاحب المطعم المزعوم في المقال. عاد حسين واعتذر بكل تهذيب، قبل أن يرمي اعتذاره بنفسه من على قمة الأخلاقيات الصحافية بقوله : من موقعي المتواضع، أعبر عن أسفي للانحطاط بالتفكير الذي لاحظته اليوم، وألوم نفسي أنني أعيش مع بعض الحثالة في نفس البلد…

نعم يا حسين، نعم نحن الحثالة. نحن الحثالة التي تقضي أيام على الطرقات لتصور وتغطي المعاناة إنسانية للشعبين الفلسطيني والسوري، نحن الحثالة التي تنفعل عند إهانة أي مواطن سوري صغير أم كبير، نحن الحثالة التي تندفع الى طرقات بيروت للدفاع عمن سحقت الجزمة العسكرية كرامته. نحن الحثالة التي تتشاطر قلمك الصحافي معها. نحن الحثالة نقضي ما يناهز العشر ساعات يومياً نعمل في مجال اسمه الصحافة.. حلمنا منذ نعومة أظفارنا بدخوله أيضاً: ولكننا دخلناه باحترام، وإن حان وقت خروجنا منه يوما: سنخرج محترمين دون نعت الآخرين بالحثالة أو حتى تصنيفهم. نحن أيضا خريجو كلية الاعلام والتوثيق مثلك، لسنا متفوقين لأن العلامات ليست الفارق المهم في عالم الصحافة: المصداقية هي الميزان.

 أما إن لم تكن تقصدنا نحن اللبنانيون الذين هبوا لنقض ما نشرته، إن كنت تقصد كل سوري غضب وراسلك، فنعتك له بالحثالة خير دليل ومبرر لقوله ما يريد ووصفك وجريدتك بما يريد.  ففي النهاية، كلنا حثالة افتراضية وقلائل منا يغيرون هذا العالم القبيح ومجرياته القاسية فعلاً.

هذا ما تجنيه علينا الصحافة يا حسين. بعد أربع سنوات متواضعة من العمل في هذا المجال أقول لك بأن النقد الممنهج الذي تلقيته اليوم، والتهديدات العشوائية، ليست سوى عيّنة مما يحصده أي صحافي بعد نشر مقالاته وآرائه. من هنا تأتي المسؤولية الصحافية، المسؤولية تقع على عاتق الصحافي نفسه وليس على إدارة التحرير والمحرر الاول والثاني، لا.. لن أبرر لك مقالتك ولن أتيح فرصة تقاسمك اللوم مع جريدة النهار. ومن جهة أخرى لن أبرر التهديدات التي طالتك، فالتهديد أيضاً انحطاط، ولكن اجعل من قلمك سلاحاً أفضل مستقبلاً، ولتكُن مقالاتك طريقاً سالكاً للحلول والتغييرات، فمراقبتنا للواقع لم تعد كافية في زمن الحروب والويلات، والآراء باتت بوستات فيسبوكية لا تقدم ولا تؤخر.

10888835_10152657757390698_5149628638935573688_n

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s