الرحيل، ولكن على طريقتي

لن أُطيل سطوري، لنُ أكتب كلّ ما يتبادر إلى ذهني الليلة. إنها لحظة التوقف والتأمل ولو قليلاً.

أنا مواطنة لبنانية، طالبة صحافة، لم أتخرّج بعد، عمري إثنان وعشرون سنة ولقد طفح بي الكيْل مرات عديدة، إلا أن مُحتوى الكيْل الذي طفح مختلف هذه المرة. الصحافة من أصعب المهن، هي مهنة المخاطر والقلق المُستمر، وأنا على مشارف التخرج أُدرك الخطر والحياة التي اخترتُها لنفسي، ولكن عملي يمنحني الثقة والسعادة. إلا أنني لا أملك وظيفة بكل ما للكلمة من معنى بعد، هذا يعني أن الطريق لا زالت طويلة، والطريق محفوفة بالتحديات والمخاطر وأيضاً النجاحات.

باختصار، أنا خائفة، ولكن ليس على نفسي، فأنا لم أتلقَ  تهديدات منذ سنة واحدة تحديداً ولم يتعرّض لي أحد بسبب مواقفي منذ وقت طويل، ولكني شبه متأكدة بأن حال هاشم سلمان كان مُشابه لحالي، الفرق الوحيد أن هاشم إنتمى الى حزب معين، حزب، مقارنةً بالاحزاب اللبنانية الأُخرى ، بسيط ،متواضع وعادي وغير بارز إعلامياً… إلا ان الرصاصة التي قتلت هاشم لم تُميّز، قتله وانتهى الأمر.

تقبّل والداه التعازي، نفته قريته ولم ترضَ  بأن يُوارى الثرى فيها، والكارثة الأكبر كانت ما شهدته اليوم:

إضاءة شموع من أجل هاشم، لم يتعدَ عدد المشاركين فيها العشرات. تحية من القلب لكل من كسر حاجز الصمت والخوف وشارك اليوم، ولكن شُكراً، أنا أفضل حالاً بعيدةً عن السياسة متى أصبح دمّي رخيصاً هكذا.. رصاصة الغدر التالية (لا سمح الله) لن تُميز بيني وبين رفيقي/رفيقتي، وأنا لا أُريد الرحيل بفعل رصاصة، لا أُريد أن يشمت أحدٌ برحيلي ويلوم “القضية”، لا أُريد لمن اعتبرتهم يوماً أصدقائي ان يتجاهلوا موتي وان يتخلوا عن إضاءة شمعة لي حتى.. والأهم، لا أُريد لعائلتي الحزن ولا الدموع.

حرية الرأي والتعبير التي أُنادي بها، أتحميني؟ أتعدني أن مكروهاً ما لن يُصيبني بسبب مواقفي وكتاباتي؟

الثورة السورية، أحقاً تأبهين ؟ أتعرفين من أنا؟ وإن رحلت؟ ما هو ذلك الفراغ الذي سأتركُه حقاً خلفي؟ أنا بالنهاية لبنانية لا أكثر ولا أقل.

لُبنان، إلى متى أُضحي في سبيلك؟ في سبيل شعب كسول يجلس في منزله يُشاهد أخبار الثامنة ويلاحظ تحركاً ما فيقول: ” اي والله صار لازم هالشعب يتحرّك” .. م إنت الشعب يا مُشاهِد! والله أنا بس بدي أتحرّك عنّي وعنّك؟

نعم لقد سئمت من المُخاطرة والمُجازفة في بلدٍ تعجز قوى أمنه عن حمايتي. أنا لا أتكلم عن المجازفة الصحافية وعن المهنة، فأنا مستمرة في المهنة، ولكني ببساطة أنا اليوم أتخلى عن المجازفة نفسها التي كلّفت هاشم سلمان حياته.

سيخيب أملُكم بي، ستقولون لي:

“هيدي فترة وبتمرق”

“لا يا لونا، ما تعملي هيك”

“إنتي يا لونا؟!”

وسأعتذر منكُم وأقول نعم، أنا.. وسأُضيف، الثورة حقّ وأنا مع كل شعبٍ يثور للمُطالبة بحقوقه سلمياً، ولكني أُريد العيْش لأرى المزيد من هذه الحياة، لا أُريد رصاصة غدرٍ في خاصرتي، لا أُريد إستنكارات.. وعندما يحين وقت رحيلي إلى العالم الآخر، أُفضل أن يكون رحيلي صامتاً.. مُسالماً وأُفضل أن تُذرف عليّ دموع الحزن لا الغضب.

Advertisements

بعد سنتيْن… رأيي بالحراك الثوري السوري

 رأيي بالثورة السورية انها ثورة محقة ضد نظام ظالم ، ثورة تُطالب بأبسط ما يمكن للإنسان المطالبة به: الحرية

النظام السوري نظام ظالم طبعا ،قمعي يختبىء تحت عباءة المدنية والتنظيم ولكنّه ظلم الشعب السوري كثيراً على مر السنين وخلال السنة الاخيرة  فرّغ حقدهُ بالقصف والتكتيك العنيف الذي اعتمدهُ في  قمع الحراك الثوري . ظُلم النظام السوري ليس بجديد على اللبنانيين،  اللبناني له تجربة خاصة مع الجيش السوري طوال فترة وجوده في لبنان والتجربة لا تقتصر على فئة معينة او طائفة او حزب، التجربة شملت لبنان ككل.

بداية الثورة السورية كانت سلميّة ومن تابع الثورة السورية بكامل قواه العقلية يستطيع أن يتذكر جيداً اوّل قطرات الدم في درعا، بسبب عنف النظام اضطُر السوري الى اللجوء الى السلاح، سلاحٌ موجود في كل منزل، سلاح للدفاع عن النفس أمام ما بدأ كفوضى منظمة. ولكن للأسف وكما في كل ثورة او حرب  وقع السلاح بأيدي جماعات مختلفة ومنها الأصوليين والسلفيين وغيرهم … هؤلاء الذين استملكوا دوراً لا بأس به في الدفاع عن سوريا وتحريرها من النظام مع العلم بأن الثورة السورية لا تزال حتى الساعة مُنقسمة فيما خصّ هؤلاء.

بصراحة، خوفي على سوريا من هؤلاء يوازي خوفي على سوريا من النظام، فأنا في النهاية مع الحرية وإيماني بها كبير ، ولكن لا إثباتات كافية أمامي عن كيفية تعامل كل متطرّف أصولياً كان ام سلفياً ام إسلامياً مع غيره في حال استلامه زمام الأمور في سوريا بعد سقوط النظام.

ايجابيات الثورة السورية انها علمت السوري أن يُحب وطنه، اما سلبياتها؟ ان نهايتها ليست بقريبة بسبب الفوضى والمماطلة الدولية وأيضاً بسبب الوقت الضائع الذي خسرته المعارضة السورية الخارجية.

أخشى أن سوريا لا تزال تائهة هائمة بثورتها السلمية ولكن الحقيقة هي أن سوريا في حالة حرب باتت تستنزفها.