آمنة إسماعيل والزوج الذي وثّق انتحار زوجته

لم أسمع بخبر وفاة آمنة إسماعيل إلا ظهر الإثنين ٢٩ تموز ٢٠١٣، أي بعد يوميْن من وفاتها. محضُ صُدفة؟ إهمالٌ مني؟ لفلفة للحادثة؟ وجهات نظرٍ مُحتملة، أكاد أُصدق الثانية منها وأُعلن إهمالي لواجبي الصحافي لو أن لبنان أجمعه علم بالحادثة. آمنة وزوجها كفاح فيروز أحمد الذيْن لم يمض على وجودهما في لبنان أيام قليلة، أثارا بلبلة وصل صداها إلى مختلف أنحاء لبنان.

مكان سقوط الضحية آمنة إسماعيل في حديقة المبنىمكان سقوط الضحية آمنة إسماعيل في حديقة المبنى

شقة كفاح أحمد وآمنة إسماعيل الغير مكتملة ، والى أقصى اليمين الزاوية التي جلست فيها آمنة قبل الانتحار ويظهر الدرابزين القيد الإنشاء
شقة كفاح أحمد وآمنة إسماعيل الغير مكتملة ، والى أقصى اليمين الزاوية التي جلست فيها آمنة قبل الانتحار ويظهر الدرابزين القيد الإنشاء

وصل الزوجان لإلقاء نظرة على شقتها القيْد التصميم في منطقة الرملة البيضاء مساء السبت ٢٧ تموز ٢ ٠١٣ في تمام الساعة السادسة والنصف مساءً، تجوّلا في الشقة، جلست آمنة على حافة الشرفة الغير مكتملة التصميم، تبادلت أطراف الحديث مع زوجها الذي كان يُسجل ما يحصل بواسطة هاتفه، دقائق قليلة، وأقدمت آمنة على الانتحار من الطابق الثامن في تمام الساعة السادسة والخمسون دقيقة مساءً. آمنة إسماعيل لم تقع سهواً من شرفة منزلها في خلدة كما ورد على بعض المواقع الإخبارية، والإهتمام الإعلامي الوحيد الذي لقيته قصة آمنة هو جنازتها وما يناهز العشرين صورة عن الجنازة. ولكن ماذا عن الفيديو الذي التقطه الزوج؟ ولماذا انتشر في المنطقة التي صودف سكني فيها مثلاً؟ ولماذا تتم إزالته من مواقع التواصل الاجتماعي كل بضعة ساعات؟

الغريب في الموضوع لا يقتصر على تصوير الزوج للحادثة، او على هول الحادثة فقط، الغريب في القضية غياب الاعلام اللبناني ككل عن التغطية والسمع، ذلك أنه وحتى الساعة السادسة من مساء الإثنين، لم أجد أثراً للخبر على وسائل الإعلام، وما إن تجرأت ونشرت فيديو انتحار آمنة على يوتيوب حتى تهافت الجميع للسؤال عن القضية، فيما أكد البعض علمهم مسبقاً بالحادثة عبر بعض المواقع الاخبارية التي تتناول أحداث مدينة صور، ولكن ألم يلفت خبر وفاة السيدة الغامض أحد؟ أم أن صور جنازتها تُعد سبقاً صحافيا أدسم؟

يروي شهود عيان رفضوا الافصاح عن أسمائهم ان هذه  الزيارة هي زيارة الزوجين الأولى الى الشقة ، وان منزل ذوي كفاح أحمد يقع في الجهة المقابلة تماما، مؤكدين ان الزوجين وصلا حديثاً الى بيروت وان والد كفاح كان مولجاً للاهتمام بمراقبة عملية إعادة تصميم الزوجين. توجهنا الى منزل والديْ كفاح أحمد وحاولنا مقابلة أحد أفراد العائلة ولكن دون جدوى، آخر التطورات تؤكد إخلاء سبيل كفاح بكفالة مالية، وبعض الصور على مواقع صور الإخبارية تُظهر الاخير في الجنازة، يؤكد سكان المنطقة أن العائلة متوارية عن الأنظار حتى الساعة تفادياً للبلبلة.

حاولنا جاهدين استقصاء مُرسل الفيديو الأول ولكن دون جدوى لا سيما وان المشاهدة الاولى للفيديو توحى بأن الفيديو مجرد مزاح من العيار الثقيل، ولكن الحقيقة عكس ذلك، ففي مكان ما في لبنان أقدمت  شابة على الانتحار بحُضرة زوجها والاسباب غامضة.

وحدها التحقيقات كفيلة بالكشف عما حدث، ولكننا استطعنا من خلال تجولنا في المكان ومناقشة ما حدث مع الجيران، تمكنا من تكوين فكرة بسيطة عما حدث تلك الليلة بعيداً عن التكهنات والاستنتاجات العبثية:

-الاعلام اللبناني لم يكن على علم بالحادثة ، قضينا ساعتين كاملتين على الانترنت نبحث عن خبر انتحار في الرملة البيضاء والخبر الوحيد الموجود كان خبر إقدام عاملة أجنبية على الانتحار في المنطقة عينها منذ أكثر من ١٠ سنوات.

-بعد انتشار الفيديو بدقائق، بدأ اللبنانيون بتداول ما زعموا أنها يعرفونه عن القصة والضحية وكثرت الإشاعات ونرفض نشر أي منها احتراماً لهوْل الحادثة وخصوصية العائلة.

-شدد الجيران والشهود على تأخر الصليب الاحمر في الحضور الى مكان الحادثة وهذا سؤال برسم الصليب الاحمر اللبناني، بقيت الضحية ممددة على الارض أكثر من ثلاثين دقيقة بانتظار الإسعاف وكانت لا تزال على قيد الحياة.

– آمنة إسماعيل فارقت الحياة في مستشفى الجامعة الاميركية بعد ان نقلها الدفاع المدني إلى هناك.

في الفيديو أدناه شهادات حية وصور عن المبنى والحادثة، والعتب سيد الموقف:

العتب على سكان المنطقة ، العتب على علاقة اللبناني بالاعلام فلم يبادر لبناني واحد إلى إثارة الموضوع في الاعلام، ألم نشعر بالحاجة الى ذلك حتى؟

العتب على الاعلام اللبناني الذي لم يلتفت لخبر تشييع الزوجة في صور إثر وفاتها الغامضة.

والعتب على تأخر الصليب الأحمر في الحضور الى مكان الحادثة وهي رواية جاري التأكد منها ولكن يصعب ذلك بسبب ضيق الوقت والمصادر ..

وفي النهاية، لا يسعنا إلقاء اللوم على أحد قبل البيانات الرسمية والتحقيقات، فالفيديو هو برهان الزوج الوحيد على أن زوجته اختارت الانتحار ، وربما لو وُضعنا في موقف مماثل لكنا اخترنا سلاح التصوير، علّ السبب الاول والاخير هو خوفنا من بعض قوانين لبنان والتي تُحوّل البريء إلى متهم والعكس.

Advertisements

العنصرية، موضة لبنانية موسمية؟

في تدوينة سابقة، توجهت بنقدٍ لاذع الى محطة ال او.تي.في بسبب ما صدر عن مقدم برنامج يُعرض عليها ” حرطقجي”، يقدمه هشام حداد. كان لا بد لنا كمدونين وصحافيين وناشطين وطلاب ومواطنين لبنانيين، كان لا بد لنا ان نوظّف ما نملكه من قدرات لتغيير الصورة المتداولة عن الشباب اللبناني أولاً والشعب اللبناني ككل ثانياً، الشعب اللبناني الذي يتعلم وعلى مر السنين ان العنصرية ليست الطريقة الأمثل للتعبير عن أي هاجس.

استفزت عنصرية ال او.تي.في كل مواطن واذ بموجةٍ من الاستنكار تعصف بالمجتمع اللبناني لتُعيد وتُحيي بنا القليل من التفاؤل.

تنجح «حركة مناهضة العنصرية» وفي كل مرة في إلقاء الضوء على ممارسات الشعب اللبناني “العنصرية”. ذلك ان  اللبناني وبطبيعته بحاجة الى خطوطٍ عريضة توضح له خطورة العنصرية والطبقيّة المجحفة بحق كل إنسان يختلف عنا لسببٍ ما: لون، قامة، جنسية، لغة، لكنة، مهنة وتطول القائمة…

الفيديو الذي نشرته «حركة مناهضة العنصرية» لا بد وان يترك فينا ولو بصمة، كلنا معنيون.

يمكن القول ان الفيديو «داس» بطريقة او بأُخرى على الوتر الحساس «اللبناني».

يسألني صديقٌ سوري الجنسية: ” ما رأيكِ بعنصرية اللبناني تجاهي كسوري؟”

ويستغرب عند تأييدي لهُ والغوص في التفاصيل مؤكدةً  أن ظنّه في مكانهِ، كانت إجابتي مقتضبة :

“يتذرع اللبناني بأن عنصريته تجاه المواطن السوري تحديداً سببها سنوات من حكم الجيش السوري للبنان وبيروت، عُذرٌ أقبحُ من ذنب، طبقيّة اللبناني التي نتكلم عنها هُنا هي تلك الظاهرة تجاه المواطن السوري العادي، اللاجىء وليس تجاه جيشٍ تواجد في أرضنا يوماً، ذلك الجيش في سوريا الآن ولا تواجد له على أرضنا. الجيش السوري يُعامل المواطن السوري بمنطق عنصري أيضاً  ، لا يحق لنا أن نعامل المواطن السوري بأسلوب الجيش السوري عيْنهِ ، ذلك اللاجىء الضيْف على أرضنا الى حين هدوء الوضع في سوريا، أو حتى ذلك العامل السوري الذي يجتهد بعمله أكثر من اللبناني نفسه ، باحثاً عن لُقمة عيشٍ كريمة…”

كلماتٌ قليلة وعم السكوت في الغرفة، لا بد وان صديقي استحضر معاملة الجيش السوري للسوريين في سوريا، في ذاكرته.

ما لم أقوى على ذكره له هو التالي:

نحن نعامل الشعب السوري بعنصرية، شعبٌ قام بثورة، هي حُلمٌ تحقق،مجرّد قيام هكذا ثورة ضد نظامٍ مستبد كالنظام السوري هو شيء لا بد لنا أن نتعلّم منه ولو القليل، بينما نحن، الشعب اللبناني : نعاني من فقدان وطنٍ بأكمله، نرى الكذب والنفاق في عيون السياسيين، نرى الديكتاتورية متجسدة أباً عن جدّ على كراسي السلطة، ولا نُحرّك ساكناً.

أختم بجملةٍ ذكرتها تمارا سعادة في الفيديو عن الأقليات وخوفهم من التوطين:

“سمعت إنو الأقليات خايفين من التوطين، «لو كنا وطن» ما كانوا حسوا حالن أقلية”

أترك لكم مشاهدة الفيديو والتعليق:

ARM Leb ردا على الخطاب العنصري تجاه اللاجئين السوريين